مجموعة مؤلفين

197

الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )

العرفان اللدني : من هذا كله يتبين أن الإمام محيي الدين قد أحاط بالعلوم العقلية ، وسلك مناهجها التي عرفت عند أهل النظر منذ أن أدرك العقل وجوده ورسالته ، وأن هذه الوسائل العقلية كشفت له كثيرا من أسرار الكون وخفايا الوجود ، ولكنها عجزت عن أن تصل به إلى الكنه الإلهى ، فلم يكن له في هذه الحالة المضطربة بد من أن يسلك السبيل الفطري التي يسلكها كل عقل مستقيم ، وهي أن المتنسك يجب عليه قبل كل شئ أن يكون صادرا في تنسكه عن عقيدة راسخة وإيمان حقيقي بدين سماوي صحيح لم تنل منه أيدي التبديل والتغيير ، ولم تكتنفه الخرافات والأساطير ، وألا يحيد عن أوامر هذا الدين ونواهيه قيد أنملة ، لأن التنسك الذي ليس مؤسسا على هذا النحو السالف لا ينتهى إلى غاية نافعة ، بل نستطيع أن ندعوه بالتنسك الفوضوى أو السائر على غير هدى . وإذا وقرت في قلبه معارف جديدة لم يكن مستيقنا بمصدرها ، ولا يستطيع أن يجزم بأنها من عند اللّه ، أو من عند الشيطان . وإذا فرض أنه استقرت في نفسه معلومات صحيحة ، فإن هذه المعلومات لا يمكن أن تصل من الثبات ولا من السمو إلى ذلك الحد الذي يمنحه النسك الموروث عن الأنبياء . وفي هذا يقول الإمام محيي الدين بن عربى ما نصه : « فكل وارث نبي ، فعلمه من فيض نور من ورثه من اللّه ، ونظره سبحانه إلى أنبيائه أتم النظر ، فعلم الورثة أتم العلوم ، وكل علم لا يكون عن ورث ، فإنه ليس بعلم اختصاص كعلم أصحاب الفترات ، فإن علمهم ليس بعلم وراثة وإن كانوا علماء ، ولكنهم لم يكونوا متبعين لنبي ، لأنه لم يبعث إليهم وليسوا بأنبياء فما كان لهم من اللّه نظرة الأنبياء ، فنزلوا عن درجة الورثة في العلم وعلموا أنّ للّه أنبياء . وأما الذين لا يكفرون بالأنبياء ولا بالنبوة على ما هي عليه في نفسها ، فهم يرون أن مسمى الأنبياء إنما هو لمن صفى نفسه من كدورات الشهوات الطبيعية والتزم مكارم الأخلاق العرفية ، وأنه إذا كان بهذه المثابة انتقش في نفسه ما في العالم العلوي من الصور بالقوة ،